الفاتح أبو المهاجر دينار

 

أبو المهاجر دينار السياسي المحنّك وفاتح الجزائر
 

كاتب المقال :فوزي مصمودي      

نشأة أبي المهاجر دينار:
أهملت كتب السير والتراجم والنصوص التاريخيّة البدايات الأولى لنشأة الفاتح البطل أبي المهاجر دينار وتغافلت عن ذكر تفاصيل حياته وجهاده وبلائه الحسن في التمكين لدين الله في بلاد المغرب، حيث لم نتمكن من تحديد نسبه وموطنه الأصلي وتتبع مسيرته الجهاديّة بصورة دقيقة، لاسيما بالمغرب الأوسط الذي عرف بعد ذلك باسم ( الجزائر ).
وربّما يعود ذلك إلى عدّة اعتبارات، من أهمّها ما فعله بالفاتح عقبة بن نافع من إهانة وإساءة وتصفيد بالأغلال والتضييق عليه بعدما" أوقره حديدا " والتي كان لها أبلغ الأثر في نفوس النّاس على مرّ الأيّام، ومحاولته محو آثار مدينة القيروان التي تعدّ أوّل مدينة عربيّة إسلاميّة تبنى ببلاد المغرب وارتبطت باسم عقبة، كما أنّ أبا المهاجر كان من طبقة الموالي وليس من العرب الأقحاح على غرار عقبة بن نافع الفهريّ.
ومعلوم أنّ الدّولة الأمويّة كانت متعصّبة إلى حدّ كبير إلى الجنس العربيّ، ولم يجد الموالي مكانة تليق بهم إلا نادرا، خلافا للدّولة العبّاسيّة التي حظي فيها الموالي بمكانة مرموقة في جلّ مرحا لها، ولذلك ونحن نبحث عن نشأة أبي المهاجر دينار الأولى لم نهتد سوى إلى التعرّف على اسمه وكنيته فقط، دون الوصول إلى اسم والده وجذوره وموطنه وتعلّمه وظروف نشأته والشخصيّات التي أثرت فيه وساهمت في تكوينه.

ولاية أبي المهاجر دينار ( 55 – 62 / 674 م – 681 م):
بعدما استتب الأمر لبني أميّة عقب استشهاد الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه عام 40 هـ / 661 م ووفاة ابنه الحسن عام 50 هـ / 670م أراد معاوية بن أبي سفيان مكافأة الذين ناصروه ووقفوا إلى جانبه في وضع الدّعائم الأساسيّة لقيام دولته، ومن هؤلاء الصّحابي ّ مسلمة بن مخلّد الذي ولاّه إمارة مصر وبلاد المغرب بعدما عزل عنها معاوية بن حديج الخولاني.
وكان مسلمة بن مخلّد – استنادا إلى بعض المؤرخين – يحقد على عقبة بن نافع الفهري ويضيق به ذرعا بعدما حقق انتصارات باهرة ووطّن المسلمين ببلاد المغرب من خلال تشييده لمدينة القيروان بعدما كانوا يكتفون بعمليات الاستطلاع واتباع سياسة الكرّ والفرّ والعودة إلى برقة بليبيا. وقد ذاع صيت عقبة في الآفاق لهذه الإنجازات العظيمة، فلم يجد مسلمة بن مخلّد من وسيلة لإزاحته من مسرح الأحداث سوى عزله عن ولاية بلاد المغرب وتولية أحد مواليه مكانه، وهو الفاتح أبي المهاجر دينار ولمّا سئل عن ذلك وترجاه بعضهم أن يبقي على عقبة بن نافع لما له من فضل كبير في تمكين الإسلام بالمغرب العربي الأدنى ( تونس ) ومكافأة أبي المهاجر بمنصب آخر ردّ عليهم قائلا: " إنّ أبا المهاجر صبر علينا في غاية ولاية ولكبير نيل فنحن نحبّ أن نكافئه " وكان ذلك في عام 55 هـ الموافق 674 م.
وربّما كان اختياره لأبي المهاجر دينار لهذه العملّة ليضع على بلاد المغرب أميرا جديدا يكون من أشدّ المخلصين له، بل صنيعته وأحد أعوانه. 
وقد تكون هذه العمليّة ضمن الخطة التي رسمها معاوية بن أبي سفيان بعد فشل حصاره للقسطنطينيّة عاصمة الدّولة البيزنطيّة وإحراق عدد كبير من قطع الأسطول الأموي وما تلاه من إبرام هدنة ببين المسلمين والبيزنطيين الروم، الأمر الذي اقتضى تعيين قادة جدد يتفاعلون مع متطلبات المرحلة الجديدة، ويطبقون سياسة رأتها الدولة الأمويّة مناسبة في ذلك الحين، هذا إذا سلّمنا بوجود بعد دولي لهذا التعيين في ظلّ هذه المستجدّات ولإيجاد سبل أخرى لفتح بلاد المغرب تتسم بالسياسة والكياسة وتجنّب القوّة والعمل المسلح، وتمكين الأمازيغ من الاحتكاك بالمسلمين والتعرف أكثر على دينهم الذي جاؤوا يبشرون به في ظلّ مناخ ملائم"وجذب السكان بدلا من سياسة الحرب والعنف والشدّة التي اتسمت بها أعمال عقبة في هذا الميدان" حسب تعبير الدّكتور موسى لقبال.
إضافة إلى إظهار المودّة للأمازيغ وإشعارهم بالمساواة وعدم إذلا لهم، مع الجدّ في حقن دماء المسلمين الفاتحين الذين ينتظرهم الكثير في سبيل تحقيق الغرض الذي جاؤوا من أجله إلى بلاد المغرب.
وفعلا أثبتت السنوات السبع التي قضاها أبو المهاجر واليا على بلاد المغرب أنّه كان جديرا بهذه المهمّة حيث آتت سيّاسته أكلها بعد ذلك بدخول جموع كثيرة من الأمازيغ في الإسلام بعدما درس نفسيّتهم واطلع عن كثب على طبيعة تفكيرهم واستفاد من أخطاء وتجارب من سبقه في الحملات الماضية لاسيما حملة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ( 27 هـ / 647 م) وحملة معوية بن حديج الخولاني ( 34 هـ / 655 م ) وحملة عقبة بن نافع الأولى ( 50 هـ/ 670 م).
إلا أنّ جلّ المؤرّخين يؤاخذون أبا المهاجر دينار على معاملته السيئة للفاتح عقبة بن نافع وتصفيده إيّاه بالحديد وسجنه، حيث أقام في الحبس شهورا ثمّ أطلقه حين جاءه كتاب من الخليفة معاوية بن أبي سفيان رأسا، دون أن يمرّره على عامله بمصر مسلمة بن مخلّد، وأمره بتخليص عقبة وإرساله إليه في أقرب الآجال، فقد قيّده وأرسل معه حرسا إلى غاية مدينة قابس بتونس.
ولعلّ هذا السلوك تجاه عقبة كان امتثالا لأمر قائده مسلمة الذي ربما اعتقد أنّ عقبة بن نافع يفكر في الثورة أو إعلان العصيان وخوفا من أن "يصول صولة فينقلب عليه وعلى سادته في مصر والشام وأنّ للقائد المعزول منزلة في قلوب العرب والمسلمين من البربر هناك قد تنامت على مرّ السنين وهو فيهم القائد الأمين العادل الشجاع" فيما رأى بعض المؤرخين كابن عبد الحكم أنّ مسلمة بن مخلّد أوصى أبا النهاجر حين ولاه أن يعزل عقبة أحسن العزل فخالفه أبو المهاجر فأساء عزله وسجنه.
ولا شك أنّ هذه الأحداث المتسارعة اكتنفتها مسحة من الضبابيّة وتخللتها ثغرات نجهل فصو لها وبالتالي عدم البت فيها.
لكنّ أبا المهاجر دينار وطيلة ولايته ظلّ خائفا يترقب كلما تذكر دعوة عقبة بن نافع عليه، حيث بلغه أنّه قال: اللهمّ لا تمتني حتى تمكنّي من أبي المهاجر دينار" 
كما عابوا عليه تهجير السكان من مدينة القيروان التي بناها عقبة، وبنى مدينة جديدة قريبة منها أطلق عليها اسم ( تاكيروان ) وتبعد عنها بحوالي ميلين، وجعلها تقرب من أحد القرى الأمازيغيّة وحمل الناس على الإقامة فيها، وقد ضمّت دارا للإمارة ومسجدا جامعا ودورا للجند وأخرى للسكان.
إلا أنّ بعض المؤرخين – وهم قلّة – حاولوا حشد مجموعة من المبررات لهذا الإجراء، ومن أهمّها أنّ أبا المهاجر ببنائه هذه المدينة الجديدة أراد أن يثبت للأمازيغ السكان الأصليين أنّ عهدا جديدا قد بدأ، تسوده الرّحمة والسلم والتقارب، وأنّ عهد الشدّة والغلظة قد ولّى. 

أبو المهاجر وفتح الجزائر:
تجمع كلّ المصادر والمراجع الشحيحة التي تناولت بشيء من الاقتضاب والإهمال المتعمّد، إنجازات وفتوحات البطل العظيم أبي المهاجر دينار؛ أنّ أوّل فاتح وأمير عربيّ وطأت قدماه أرض الجزائر ( المغرب الأوسط ) بل هو صاحب الفضل في إيصال الإسلام إلى هذه الربوع ودعوة أهلها الأمازيغ إلى اعتناق الإسلام، وأوّل من طبّق سياسة الاستقرار بالمنطقة، ومن الذين أكدوا هذه الحقيقة العلامة الشيخ عبد الرحمن الجيلالي في كتابه( تاريخ الجزائر ) والدكتور موسى لقبال في كتابه ( المغرب الإسلامي ) والعلامة عبد المجيد حبّة في مقاله ( عقبة بن نافع الفهري ) المنشور بمجلة ( لمحات ) والأستاذ محمّد بن عمرو الطّمار في كتابه ( تلمسان عبر العصور) والأستاذ بسّام العسلي في كتابه ( عقبة بن نافع ) والأستاذ أحمد مختار العبّادي في كتابه ( في تاريخ المغرب والأندلس ) .
وفي محاضرة للأستاذ أحمد توفيق المدني ألقاها بمدينة سيدي عقبة عام 1984 م قام باستفراغه من الشريط السمعي البصريّ الباحث عز الدين بالطيّب؛ أكد أنّ الفاتح أبا المهاجر دينار بعد دخوله الجزائر اتخذ من مدينة بسكرة مركزا له وقاعدة لعمله الكبير، وقد وضع بها الجيش الإسلامي ومنها انطلق إلى فتح بقية المدن والقرى، هذه المدينة التي كانت مركزا من مراكز الفتح الإسلامي، وقد أشار الأستاذ المدني أنّ هذه الحقيقة تغافل عنها العديد من المؤرخين، ولم يولوها عناية تليق بها، ولا شك أنّ هذه المسألة انفرد بها الأستاذ المرحوم، ولا نعرف المصادر أو المراجع التي اتخذها سندا لرأيه باستثناء إشارة العلامة الجيلالي إلى هذه المسألة وبذلك تبقى مجالا خصبا للبحث والتنقيب.
ثمّ واصل أبو المهاجر زحفه من بسكرة عابرا التخوم الجنوبيّة للأوراس الأشمّ نحو مدينة ميلة، التي عرفت خلال الحقبة الرومانيّة والبيزنطيّة باسم ( ميلاف ) فوجدها مستعدّة للقتال ومتهيئة لمواجهته ومن معه من جنود ومعدّات، وبعد دفاع مستميت أبلاه المتحصنون بأسوار المدينة وأبراجها من الرّوم وبعض الأمازيغ تمكن المسلمون من اقتحامها والقضاء على حاميتها، ثمّ اتخذها أبو المهاجر دارا للإمارة أي عاصمة، وبذلك تشرّفت ميلة بأنّها أول عاصمة للمغرب الأوسط ( الجزائر) بعيد الفتح.
وقد ذكر الأستاذ بسّام العسلي أنّ أبا المهاجر دينار قد " أقام فيها – أي ميلة – سنتين وكانت تتوسط المغربين الأوسط والأقصى" 
بعدها واصل زحفه على العديد من التجمعّات السكانيّة والقرى محاربا الرّوم ومن والاهم من السكان المحليين، إلا أنّ جميع المؤرخين يسجلون أنّ أبا المهاجر انتهج مع الأمازيغ أسلوب الحكمة والرّحمة ولين الجانب والتسامح وكانت هذه السيّاسة سبيلا لاستجابة الكثير منهم للدعوة الجديدة والدّخول في الدّين الجديد، لاسيما أنّهم لم يعتادوا على هذه المعاملة من قبل، خاصة من طرف الرومان والوندال والبيزنطيين...
وقد تغلغل عقب ذلك بجبال الونشريس نواحي ولاية تيسمسيلت ( حاليا ) وأخضع القبائل التي كانت تقطن الدّروب الوعرة، إلا انّ كتب التاريخ لا تتطرّق إلى تفاصيل مسيرته من بسكرة نحو ميلة ومنها إلى الونشريس ولم تشر إلى القرى والدن التي فتحها وهو في طريقه.
وأثناء تواجده بالونشريس تناهى إلى علمه خبر الجموع الضخمة التي أعدّها الأمير الأمازيغي كسيلة بن لمزم زعيم قبيلة أوربة الذي عسكر بتلمسان بعدما أبرم إتفاقا وحلفا مع الرّوم لقتال المسلمين.
فأرسل أبو المهاجر جواسيسه يستطلعوا أمر كسيلة ويتعرّفوا على استعداداته والوقوف عن كثب على نقط ضعفه وقوّته، وقد تمكن من جمع معلومات دقيقة حول خصمه، بعد ذلك قصده بجيشه الذي ضمّ العرب وممن أسلم من الأمازيغ، وضرب حصارا على معسكر كسيلة بتلمسان، وكعادة الفاتحين المسلمين وقبل بداية ا لهجوم والتحام الجيشين دعاه أبو المهاجر إلى الإسلام أو دفع الجزية أو القتال، فرفض كسيلة العرضين الأولين واختار السبيل الثالث غير عابىء بنتائجه، وقد دارت بين الفريقين معركة حامية الوطيس سقط على إثرها العديد من القتلى والشهداء، لكن الغلبة كانت إلى جانب أبي المهاجر وصحبه بعد فشل كسيلة في الصمود جرّاء تراجع حلفائه الرّوم وخذلانهم له، لكن باحثين عديدين استبعدوا وقوع هذه المعركة كالدكتور موسى لقبال الذي يؤكد ذلك في قوله " ولم نعثر في المصادر التي بين أيدينا عمّا يفيد وقوع حرب عنيفة بين أبي المهاجر وكسيلة، لميل الأوّل لسياسة اللين والمداراة التي اوقعت الزعيم الأوربي في شراك صداقته وقد تحاب الرجلان " 
وبعد فتح تلمسان تمّ القبض على الأمير كسيلة، وجيء به إلى الأمير أبي المهاجر دينار، وقد ظنّ الرّجل أنّ مصيره سينتهي بدق عنقه، لكنّ اتساع أفق أب المهاجر دينار وبعد نظرته المستقبليّة لاستمالة الأمازيغ وضمان اعتناقهم الإسلام وعدم الانتصار لشخصه جعله يعفو عنه ويطلق سراحه ويحسن إليه، بل ويتخذه صديقا حميما ورفيقا، وواحدا من أقرب المقربين إليه عقب دخوله الإسلام رفقة جموع من قبيلته أوربة بعد أن كانوا يعتنقون الدّيانة المسيحيّة، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن خلدون" ولما نزل مرتادا المغرب الأقصى في جموعه من أوربة ظفر به أبو المهاجر وعرض عليه الإسلام فأسلم... وأحسن إليه وصحبه " .
وقبل عودته من تلمسان أمر أبو المهاجر مجموعة من المسلمين العرب وإخوانهم الأمازيغ بحفر ينابيع للمياه العذبة، حتى يؤلّف بين قلوب الفريقين وتصبح نفوسهم نقيّة صافية كمياه هذه الينابيع التي مازالت إلى اليوم تعرف باسم ( عيون أبي المهاجر ) أو( عيون مهاجر ) بأعلى الجبل المطل على تلمسان.
كما عمل للتقريب بين الأمازيغ والعرب وربط الودّ بينهم وهذا للقضاء على الوجود البيزنطي الرومي ببلاد المغرب بعدما عاثوا فيها فسادا هم وأبناء عمومتهم الرّومان من قبلهم، مما ولّد في نفوس الأمازيغ الشرفاء الأحرار بغضا شديدا ضدّ هؤلاء الدّخلاء، وبذلك تمكن أبو المهاجر من فك عرى الحلف الذي كان قائما بين قبيلة أوربة الأمازيغيّة وزعيمها كسيلة بن لمزم وبين الرّوم الذين واصلوا الاصطياد في الميّاه العكرة مع بعض الأمراء الأمازيغ الذين لم يطلعوا بعد على حقيقة الإسلام ودوافع الفتوحات الإسلاميّة، لكن محاولاتهم باءت بالفشل. 

فتوحات أخرى في مسيرة أبي المهاجر:
بعد فتحه تلمسان بالغرب الجزائريّ، وحتى يطهر بلاد المغرب من فلول الرّوم ويأمن مباغتتهم خاصّة بقاعدته الجديدة ( تاكيروان ) القريبة جدّا من القيروان، فقد أعدّ أبو المهاجر دينار حملة عسكرية ضدّ قرطاجة نواحي العاصمة التونسيّة حاليا، وقد كانت إحدى المدن المنيعة والحصينة التي بقي الرّوم في تلك الفترة يحتفظون بها عاصمة لكيانهم ببلاد المغرب الذي امتدّ من ليبيا شرقا إلى المغرب الأقصى غربا، وقد اشتبك معهم عام 59 هـ الموافق 678 م في معركة حاسمة كانت خاتمتها استجداء الروم لأبي المهاجر دينار قبول الصلح والكفّ عن حصار المدينة. وانطلاقا من قناعته بتقديم الحكمة على القوّة حتى يأمن النّاس تمّ توقيع وثيقة الصلح بينه وبين الرّوم. 
وقد أكد بسّام العسلي هذه الحقيقة في قوله"ونازل أبو المهاجر قرطاجنّة فاستغلقت وتحصنت بالأسوار العالية، فشدّد أبو المهاجر دينار عليهم الحصار، ولما علموا بأنّ المسلمين لن يبرحوا حتى يتمّ لهم فتح قرطاجنّة طلبوا الصلح، فصالحهم أبو المهاجر على الجلاء ويقصد هنا الجلاء عن شبه جزيرة شريك التي كانت تسمّى كذلك بـ ( باشو ) وتعرف اليوم باسم ( جزيرة القبليّة) وإليها يتجه السالك من باب الجزيرة أحد أبواب تونس، وفي تلك الأثناء قام بإرسال فرقة أخرى لاستطلاع مدينة تونس وما حو لها، وتذكر بعض المراجع أنّه بنى معسكرا قريبا من المدينة ليزاول نشاطه .
وبعد أن نكث الرّوم وعدّهم وخرقوا بنود الصّلح وتراجعوا عن التنازل عن شبه جزيرة شريك، عرضوا عليه الذّهب والمال دون شبه جزيرة شريك، لكنّه رفض العرض حيث كلّف القائد حنش بن عبد الله الصنعاني بفتحها خاصّة أنّها كانت قاعدة إستراتجيّة لجيوش الروم وإحدى أهمّ معاقلهم في المغرب الأدنى ( تونس ) فتمكن من فتحها وحمل إلى قائده أبي المهاجر غنائمها والذي قام بدوره بتقسيمها، بعد أن أرسل خمس الخلافة الأمويّة إلى والي مصر ووليّ نعمته مسلمة بن مخلّد الأنصاريّ، وقد أضحت شبه جزيرة شريك قاعدة عسكريّة إسلاميّة تضمّ نخبة من خيرة قادة وجنود الإسلام، ومركزا هاما نظرا لموقعها الاستراتيجيّ.

النّهاية المأساويّة للفاتح أبي المهاجر دينار: بعد وفاة مسلمة بن مخلّد الأنصاريّ قام الخليفة الأمويّ يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بعزل أبي المهاجر دينار عن ولاية بلاد المغرب وإعادة عقبة بن نافع إلى منصبه عام 62 هـ - 681 م، هذا الأخير ما إن وصل إلى القيروان حتى أمر بالقبض على أبي المهاجر وتصفيده بالحديد " ويقال أنّه وجد بخزنته مائة ألف دينار " وبالغ في الإساءة إليه بعدما خرّب مدينته ( تاكيروان ) وهجّر النّاس منها وأعاد بناء وتعمير مدينته القيروان وزاد في توسيعها؛ حسب جمهور المؤرخين.
ولم يكتف بذلك بل أساء إلى كسيلة بن لمزم حليف وصديق الوالي المعزول أبي المهاجر ، وقيّده بالحديد ونسي عقبة أنّ هذا الأمير الأمازيغي لا علاقة له بالخلافات التي بينه وبين أبي المهاجر، وأنّه حديث عهد بالإسلام ولابدّ من استمالته والاستعانة به وبقبيلته لفتح بقّيّة البلاد والتصدّي للمحتلين البيزنطيين، خاصّة لما تمكن أبو المهاجر بعد عمل طويل من قبر الحلف الذي كان يربط بين البيزنطيين الرّوم وبين قبيلة أوربة الأمازيغيّة. 
ولا شك أنّ عقبة بن نافع قد انتقم من غريمه أبي المهاجر وعامله بمثل ما عامله به من قبل أي منذ سبع سنوات أو يزيد، وبالتالي فقد ثأر لنفسه ، وكان عقبة كلما سار للغزو والفتح حمله معه رفقة حليفه كسيلة، وهما مرهقان بالسلاسل التي أرهقت كاهلهما وزادت في تعذيبهما الجسمي والنفسي، كما غذت هذه الإهانة حنق قبيلته أوربة وتوعدت بالانتقام.
ورغم ذلك فقد بقي أبو المهاجر صابرا وفيّا لعميليّة الفتح ومخلصا لدينه، وحتى الوالي الجديد القديم عقبة بن نافع، وكثيرا ما أخلص في النصائح التي يقدّمها له – وهو في أغلاله – ولكن عقبة كان دائم الإعراض عن هذه النصائح حتى ولو كانت فيها النجاة!.
ومن ذلك حثه على الإحسان إلى زعيم أوربة قبيلة كسيلة بن لمزم حتى يأمن شرّه ويمتن التحالف الذي أبرم بين قبيلته وبين العرب المسلمين حتى لا تجدد تحالفها مع الرّوم، وذكره بالمعاملة الحسنة التي كان يلقاها الأمراء وعتاة العرب من الرّسول الأكرم – صلى الله عليه وسلّم – قائلا له" ما هذا الذي صنعت ... كان رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – يستألف جبابرة العرب كالأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن، وأنت تجىء إلى رجل هو خيار قومه في دار عزه قريب عهد بالكفر فتفسد قلبه!...توثق من الرّجل فإنّي أخاف فتكه" 
ولكن عقبة بن نافع – رضي الله عنه – لم يأبه لكلّ ذلك، فكانت العاقبة وخيمة والنتيجة مأساة تهودة التي تطرّق إليها الأساتذة المحاضرون وارتداد المسلمين إلى برقة بليبيا وإعادة حركة الفتوحات الإسلاميّة ببلاد المغرب إلى بداية عهدها!!.
ويروى أنّه لما ترآءى الجمعان وعاين أبو المهاجر الوضع الذي آل إليه جيش عقبة ومن معه من الصّحابة والتابعين، ولم يتمكن من القيام بأي دور وهو مكبّل بالحديد بكى بكاء شديدا وردّد أبيات أبي محجن الثقفي والمعركة على أشدّها:
ومن عجب أن تردى الخيل بالقنا وأترك مشدودا عليّ وثاقيا.
فبلغ قوله هذا إلى القائد عقبة بن نافع فأطلق سراحه ولما مثل بين يديه قبيل أو أثناء المعركة قال له انجو بنفسك واذهب إلى القيروان وتولّى المسلمين هناك، وأنا أغتنم الشهادة ، فقال له أبو المهاجر قولته الشهيرة التي مازالت تردّدها الأجيال والتي تدلّ على إخلاص هذا الفاتح لدينه ولأمته " وأنا أغتنم الشهادة أيضا " فكسر غمده وقاتل قتال الأبطال حتى استشهد إلى جانب الفاتح عقبة بن نافع مع أزيد من 300 من الصّحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين – إن شاء الله – وكان بإمكانه أن ينتقم من عقبة بأيّ صورة شاء لكنّه آثر البقاء إلى جانب المسلمين في هذه الواقعة الشهيرة، ولكنّ ابن عبد الحكم ذكر في ( فتوح مصر والمغرب) أنّ أبا المهاجر دينار قتل وهو في حديده، بعدما رفض عقبة بن نافع فك وثاقه لما استحرّ الأمر حتى يلقى الله عز وجلّ وهو في حديده.

آثار أبي المهاجر دينار:
نتيجة للسياسة الحكيمة التي انتهجها الفاتح العظيم أبو المهاجر دينار ببلاد المغرب ومعاملته الحسنة لسكانه وتبليغ دين ا لهدى إليهم وتمتين الحلف الذي أبرمه بين الأمازيغ وبين العرب أدى إلى امتزاجهم في مجتمع إسلاميّ موحّد، فقد حظي هذا القائد بمكانة مرموقة في أوساطهم امتدّت حتى بعد استشهاده، وقد ظلّوا يذكرون محاسنه لاسيما بالمغرب الأوسط ( الجزائر ) والمغرب الأدنى ( تونس ).
وقد تجلّى ذلك في الغاية الكبيرة التي لقيها أحفاده بعدما استقرّ بعض منهم بالأرض التي كان لجدّهم أبي المهاجر دينار الفضل الكبير في فتحها، بل إنّ ثلّة منهم نبغت في الجانب العلميّ والثقافيّ، ومن هؤلاء عيسى بن محمّد بن سليمان بن أبي المهاجر دينار الذي ألّف كتابا نادرا في فتوح إفريقيا (بلاد المغرب ) من باب تخليد ذكرى عمل جدّه الأعلى الفاتح أبي المهاجر دينار، ثمّ جدّه الأدنى سليمان الذي راح ضحيّة وقوفه إلى جانب شرعيّة الخلافة التي كانت تمثلها آنذاك– وإلى حدّ ما – الدّولة الأمويّة، ضدّ حركة الخوارج وهذا استنادا إلى الأستاذ موسى لقبال كما سمع من عبد الله بن وهب ومن أبي خارجة وغيرهما، كما أخذ عنه الحديث العديد من الرّواة.
أما حفيده إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر دينار فقد قام بدور كبير في تثبيت أركان الإسلام عن طريق تثقيف الأمازيغ المغاربة وتعليمهم الإسلام وتوعيتهم مستعينا في ذلك بمجموعة من العلماء بعد أن تحمّل مشاق جذبهم إلى هذه الرّبوع وأوكل إليهم هذه المهمّة، وقد أسلم على أيديهم الكثير من الأمازيغ "و لهذا السبب نال عند المؤرخين لقب أحسن وال وأحسن أمير كما أنّه أول من وطن المسلمين بإفريقيا حسب ابن عبد الحكم في ( فتوح مصر والمغرب ) حيث ذكر أنّ النّاس قبل أبي المهاجر دينار كانوا يغزون إفريقيّة ثمّ يقفلون راجعين منها إلى الفسطاط بمصر فلما جاء عهده أقام بها الشتاء والصيف واتخذها منزلا.
أما الآثار الماديّة فقد تجلّت أساسا في آثار مدينة تاكيروان بتونس التي ابتناها بمساعدة العرب والأمازيغ وبنائه لأوّل مسجد في الجزائر بمدينة ميلة بالشرق الجزائريّ، ويعرف اليوم بمسجد (سيدي غانم) ومازال إلى اليوم يؤدّي دوره الرّسالي، وينابيع المياه العذبة التي أشرف على حفرها بتلمسان عقب فتحها، وقد ظلّت إلى اليوم تسمّى باسمه، ويبقى أعظم أثر دائم قدّمه لنا الفاتح العظيم أبي المهاجر دينار هو فتحه لبلادنا ( الجزائر) وإيصال الإسلام إلى أجدادنا الذين اعتنقوه وتوارثوه بعد ذلك، ولا ننسى أنّه أوّل قائد عربيّ مسلم استنارت بمقدمه بلادنا رفقة مجموعة من الصّحابة والتابعين الذين كانوا هداة، ونحن على آثارهم مقتدون– إن شاء الله – ومما زاد في تشريفنا هو احتضان ولايتنا بسكرة لضريحه الطاهر القريب من ضريح الفاتح عقبة بن نافع بمدينة سيدي عقبة والعديد من الصّحابة والتابعين الذي وللأسف الشديد طمست قبور الكثير منهم وتلاشت بمرور الزمن وتشابك الأحداث.

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 23 ذو الحجة 1432هـ الموافق لـ : 2011-11-19

 

ملاحظة : توجد صورة لمقام الفاتح ابو مهاجر في صفحة الالبومات

    ------------------منقول للفائدة ---------------------------------