الحكامة في المدرسة ....الواقع و المأمول

الحكامة في  المدرسة ....الواقع و المأمول

 

 

يلعب قطاع التربية و التعليم  دورا مهما في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة ويساهم في تطوير المعرفة والخبرة كما يساهم في تأهيل العنصر البشري الذي يعد القطب الاساسي في نجاح المخططات التنموية.كما أن  تصنيف درجة تطور البلدان من طرف المنظمات الدولية التي تعنى بالتنمية البشرية يدل على أن أداء و مردودية  نظام التربية و التعليم هو عامل أساسي، حاسم و محوري في التنمية.

 و النظام التربوي الجزائري  ليس بمنأى عن هذه التغيرات والتحولات التي طرأت مند بدية الألفية الثالثة حيث انتبه المسؤولون عن تدبير المنظومة التربوية ببلادنا تدريجيا إلى أهمية إصلاح نظامنا التعليمي ، واعتماد تدابير ملموسة للحاق بركب الدول المتقدمة التي امتطت قطار التنمية السريع في ضل العولمة

 

هذه الإصلاحات تهدف  بالأساس إلى وضع نموذج جديد لإدارة  تربوية غير مركزية  و غير مركزة ،كما كانت تروم إعطاء استقلالية أكبر للمرافق التعليمية في مجال صنع القرار التربوي محليا إقليميا جهويا و وطنيا  و في إدارة شؤونها الإدارية والمالية  و تدبيرها بكل شفافية و مسؤولية، و كذا إيجاد و تعبئة الشركاء الحقيقيين لإنجاح الفعل التربوي…

لكن تنزيل هذه الإصلاحات اصطدم بإشكاليات كبرى  أعاقت تنفيذ المخططات التربوية المبرمجة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: صعوبة تدبير الموارد البشرية،  وغياب النجاعة  و العقلنة  في التسيير …. كما نجد على رأس هذه الإشكاليات  التي ساهمت بشكل مباشر  في تعثر الإصلاحات  التربوية الأخيرة ضعف ممارسة الحكامة الجيدة في تدبير النظام التربوي

..

مفهوم الحكامة

 

يمكن تعريف الحكامة الجيدة  أو الرشيدة عموما كمقاربة حديثة في تدبير المؤسسات العصرية تروم تعزيز المشاركة والتشارك في اتخاذ القرار  بين المدبرين وكافة الفاعلين و المتدخلين و الشركاء  ، كما يمكن اعتبارها  أداة لضبط و توجيه و تدبير المخططات الإستراتيجية الكبرى للمؤسسات و المنظمات كانت  اقتصادية  ، سياسية أو اجتماعية.
حيث أن نهج الحكامة يعتمد على حسن التنظيم و توزيع المسؤوليات  وتعزيز القدرات و دعم التواصل داخليا و خارجيا .كما يشمل مفهوم الحكامة الجيدة أو الرشيدة مجموعة من المبادئ من بينها: الشفافية، الحق في إيصال المعلومات الملائمة و الولوج إليها، ضمان حقوق وواجبات كافة الفاعلين و المتدخلين في صناعة القرار وربط مسؤوليات المدبرين بالمحاسبة و المساءلة …

أما فيما يخص النظام التربوي فترتكز ممارسة  الحكامة الجيدة في تدبيره بالأساس على:

– الرؤية الإستراتيجية: و التي تتم صياغتها انطلاقا من المعطيات السوسيو- اقتصادية و الثقافية الواقعية و استنادا على تشخيص تشاركي يساهم فيه كافة  الشركاء والفاعلين و المتدخلين في الحقل التربوي.

– حسن التدبير:  و ذلك باعتماد المقاربات الحديثة في التسيير ( التدبير التشاركي، التدبير بالنتائج، التدبير بالمشروع…)، وترسيخ اللامركزية و اللاتركيز، وإعمال قيم الشفافية و المساءلة مع ربط المسؤولية بالمحاسبة و كذا تفعيل آليات المراقبة و التتبع و الإجراءات الإدارية.

– الفعالية و النجاعة في التدبير: ودلك من خلال الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة  مادية كانت أو مالية أو موارد بشرية من أجل تحقيق الأهداف المسطرة  و النتائج المرجوة.

– الإشراك الفعلي للمعنيين : و ذلك بإشراك حقيقي لكافة الفاعلين  و المتدخلين في الشأن التعليمي محليا إقليميا جهويا ووطنيا في اتخاذ القرار التربوي.

– التشارك الهادف:  من خلال تعبئة جميع الشركاء للانخراط في صنع القرارالتربوي  و مواكبة وتتبع  الإصلاحات وفق منظور تشاركي.

– التواصل الفعال: باعتماد خطة للتواصل الاستراتجي تعتمد إيصال المعلومة الملائمة و المحينة لكافة الفاعلين و الشركاء.

– التوافق حول معالجة القضايا التربوية المطروحة:  من خلال تعزيز القدرات التفاوضية و المرافعة و الإقناع بغية تحقيق إجماع كافة الفرقاء حول معالجة الإشكاليات التربوية  .

تعاني ممارسة الحكامة في النظام التعليمي  من أوجه قصور عديدة يمكن إجمالها فيما يلي

 

– اختلالات في أنماط القيادة التربوية و في طريقة تدبير و إدارة النظام التربوي،حيث أن النظام التعليمي ما يزال يفتقد إلى الآليات اللازمة للقيادة الرشيدة ، و لم يطور بعد  القدرات التدبيرية  للمسيرين  على جميع مستويات اتخاذ القرار التربوي

.

.

– ضعف آليات ممارسة الشفافية بحيث أن المجال التدبيري  الأكثر تعتيما في النظام التربوي هو  التدبيرالمادي و المالي و وخصوصا مجال  تدبير الصفقات العمومية ومجال تنفيذ الميزانية، حيث يصعب على غير المتخصص مثلا أن يتتبع و يواكب طريقة و منهجية صرف الميزانية المخصصة للتربية والتعليم

 

.

– ضعف نشر المعلومة الملائمة و المحينة  بحيث أن المعطيات الرسمية الصادرة عن المرافق التربوية لا تعبر غالبا عن الواقع و لا تعكس ما هو موجود في الميدان.حيث يصطدم المتتبع بمشكل صعوبة صعود المعلومة من المؤسسات التعليمية ثم الأكاديمية فالوزارة ، مما يطرح السؤال حول صحة المعلومات و دقة ووثوقية المؤشرات ( التربوية، المالية، البشرية…) وطرق و منهجية جمعها

.

– ضعف المساءلة و المحاسبة في تدبير النظام التربوي، فرغم وجود أجهزة رقابية فإن بعضها غير مفعلة أو تعاني من اختلالات في طريقة اشتغالها.حيث أن التقييم و المراقبة من طرف الأجهزة الداخلية والخارجية  للنظام التربوي هي مراقبة شكلية ، يتم فيها التركيز على إعداد الوثائق و التبرير لا أكثر. فأغلب عمليات التقييم و المراقبة هي عمليات ورقية وثائقية تبريرية.  يتم  فيها تقييم الإنجاز الكمي لتنفيذ المخططات و الإستراتيجيات  التربوية  عوض تقييم وقع و أثر هذه المخططات على مخرجات و نتائج النظام التعليمي

.

ا.

– ضعف إشراك أغلب المتدخلين و الفاعلين التربويين  في  جميع مستويات صنع القرار التربوي ( جمعيات و أولياء التلاميذ، النقابات التعليمية، جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالشأن التعليمي

 

.

–  غياب تعريف واضح للأدوار ومهام كل المتدخلين و الفاعلين في الحقل التربوي.

–.

.

بعض الاقتراحات العملية لتحسين ممارسة الحكامة الجيدة في تسيير  النظام التربوي

 

.

لترسيخ ممارسة جيدة للحكامة في المنظومة التربوية نقترح الإجراءات التالية

:

ملائمة التشريعات و القوانين و ذلك بالتنصيص من خلال مذكرات منظمة على تطبيق وممارسة مرتكزات الحكامة ( المقاربة التشاركية ، إعمال مبدأ الشفافية ،نشر المعلومة و الحق في الولوج إليها، ربط المسؤولية بالمحاسبة و المساءلة…).

– توسيع تفويض الاختصاصات و الصلاحيات من الوزارة إلى الأكاديميات فالمؤسسات في أفق منح  استقلالية أوسع للمؤسسات التعليمية.

–المقاربات الحديثة في التسيير ( التدبير المرتكز على النتائج، التدبير بالمشروع، المقاربة التشاركية،

 

– إرساء مقاربة تشاركية تستند على المساهمة الفعلية لكل المتدخلين في صناعة القرار التربوي.

 

– ترسيخ المسؤولية و تحديدها وفق مهام محددة و ربطها بالمساءلة و المحاسبة.

–.

– تفعيل  ممارسة الحكامة المحلية على صعيد المؤسسات التربوية عن طريق إعطاء صلاحيات أوسع لمجلس التربية و التسيير  و إشراك كافة الفعلين المحليين في صناعة القرار التربوي بالمؤسسات التعليمية.

انخراط مختلف المعنيين و المتدخلين في الشأن التربوي.

حيث أن ممارسة الحكامة في تجلياتها لا تقتصر على إصدار قوانين أو مذكرات تنظيمية، و لكنها في العمق ثقافة يجب أن يقتنع بها  المسئولون و كذلك الجهات الفاعلة المعنية بالشأن التربوي، و حالما تترسخ هذه الثقافة تتحول إلى سلوك و نهج وممارسة يومية.