دفاعا عن مقومات الهوية

يتنامى إلى أسماعنا بين الفينة والأخرى هتافات تدعو إلى الاستغناء عن تدريس  مادَّةِ التربية الاسلامية بالكلِّيَّةِ، أو التَّقليل من حجمها السَّاعي والتَّهوين من شأنها والوضع من معاملها في الامتحانات؛ وأن في مادة التَّربية المدنية عوضا عنها. وهذه فكرة غريبة تتنافى مع أصول هويتنا والمرامي والغايات التي بني عليها النظام التربوي الجزائري.    

إنَّ وظيفةَ المدرسةِ هو العملُ على تكوين التِّلميذِ عقليًّا ومعرفيًّا وحتَّى بدنيًّا، فإن كانت مُمارَسَة الرِّيَاضة البدنيَّة حتما لازما، فليسَ من الحكمة أبدا أن نُغفِلَ تكوينَه الرُّوحيَّ الَّذي ينبغي أن يكونَ مواكبا لتكوينِه البَدَني؛ لأنَّه إذا بلغَ مرحلةَ المراهقَة حيث تثور النَّزواتُ وتندفع الغرائزُ والشَّهواتُ لا يمكنُ تهذيبُها ولا دفعُ غوائلِها إلاَّ إذا زوّدنا التِّلميذَ بمعارفَ دينيَّةٍ تُرسِّخُ في نفسه شرفَ العلم والفَضيلة، وجمالَ العفَّة والحياء؛ وأنَّ له ربًّا يطَّلع عليه ويراقبُه؛ كما أنَّ هذهِ المعرفةَ الدِّينيَّةَ الصَّحيحةَ الَّتي يتلقَّاها في مدرستِه تصونه من المعاني الفاسدة والتَّأويلات الباطلة الَّتي يمكن أن يتلقَّاها من جهاتٍ أخرى، وتُكوِّنُ عنده جدارَ حمايةٍ سميك  يمنَعُ من أن يتسلَّلَ إلى قلبه أفكارُ الإرهاب والتَّكفيرِ والغُلوِّ الَّتي تموج بها وسائطُ الاتِّصال وشبكةُ الإنتّرَنت.

فالدَّرسُ الدِّينيُّ عاملٌ أساسٌ في تكوين شخصيَّةِ التِّلميذِ المتكاملة، ويُتيح له فرصةَ امتلاك الأدوات الَّتي تساعده على فَهمِ الحياة ووُلوجِ غِمارِها وخوضِ خُطوبِها دون خوفٍ أو تردُّدٍ؛ لأنَّه مسلَّحٌ بالعلم والإيمان.

وعلى هذا؛ لا نظنُّ أنَّ ناصحا أو مُصلحا يُريد الخيرَ للبلادِ والعبادِ يدعونا إلى أن نجعَلَ التَّربيةَ الاسلامية مادَّة ثانويَّة بالإمكان تجاوُزُها أو الاستغناءُ عنها، ولو أنَّ بعض من يدندن حول مادة التربية الاسلامية اتَّهم المنهجَ المقرَّرَ بأنَّ فيه نقصا أو خللا، أو اتَّهم المدرِّسَ في علمِه أو فهمه، قد يكون اتِّهامُه وجيها؛ أمَّا أن يتعسَّف ويوجِّه أصابعَ الاتِّهام إلى مادَّةٍ هي من أهمِّ موادِّ الهويَّةِ فهو عينُ الظُّلم والإساءة.

إنَّ منهجَ التَّربيةِ والتَّعليم لكلِّ أمَّةٍ إذا لم يُبنَ على مقوِّماتِ شخصيَّتِها من دينٍ ولغةٍ ووطن، ولم يُراعِ معالمِ هويَّتِها، فهو يسير في اتِّجاهٍ مُغايِرٍ لمصلحة الأمَّةِ، ويُقدِّمُ خدمة جليلة لأعدائها؛ نعم؛ ليس عيبا أن نستَفيد من تجارب الأمَمِ الَّتي تقدَّمت في التِّكنولوجيا والمعرفة والتَّنظيم وطُرُقِ التَّدريس، لكن ليسَ على حساب الثَّوابت والأصُول؛ فإنَّ الجيلَ الَّذي لم تُغرَس فيه أهمُّ مقوِّمات شخصيَّةِ أمَّتِه ينشأُ نشأة عَرجَاءَ، فقَد ينال علوما ومعارفَ مُختلفة؛ لكن لا نَأمَن معه أن يَفشُوَ فيه الإلحادُ والخيانةُ، ويكثُرَ فيه الإجرامُ والانحرافُ، ويَسهُلَ عليه الإفسادُ والعُدوان؛ لأنَّ الرَّادِعَ  وهو الوازع الدِّيني قد أُهمل في العمليَّة التَّربويَّة.

فالواجب علينا أن نعمل على تثبيتِ مقوِّمات الهويَّةِ من دينٍ ولغةٍ ووطنٍ؛ شعارنا: الإسلامُ ديننَا، والعربيَّة لغَتُنا، والجزائر وطننَا.