مفهوم الأمانة في الإسلام

مفهوم الأمانة في الإسلام

بقلم: الدكتور محمد راتب النابلسي

الأمانة أشفقت مِن حملها السماوات والأرض والجبال ، وأبين أن يحملنها ، وقال الإنسان : أنا لها ، وحملها ، فهل كان بحملها ظلوماً جهولاً ؟ ..

قال تعالى :

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(73)

أياً كان معنى الأمانة فهي شيء عظيم ، وخطير ، ومصيري ، بدليل أن السماوات والأرض والجبال أشفقن منها ، وأبين أن يحملنها ، والإنسان من خلال موقفه منها إما أن يرقى إلى أعلى عليين ، أو يهوي إلى أسفل سافلين ، موقفه من الأمانة سيحدد ما إذا كان مؤمناً ، أو مشركاً ، أو منافقاً..

على الرغم من أن المسلم قد يفهم الأمانة بادئ ذي بدء اسماً لشيء يودع عند الآخرين ، ليحتفظوا به ويحفظوه ، ثم ليردوه إلى من أودعه بالتمام والكمال ، ويفهمها أيضاً صفة طيبة لمن يؤدي الأمانات إلى أهلها على الوجه الصحيح .

على الرغم من أن عامة الناس يفهمونها فهماً محدوداً ، فإن للأمانة مفاهيم واسعةً ، وعميقةً ، ومتعددة ، فهي أحد الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره ، وهي ضد الخيانة ، وهي عفة عن المحارم ، وعفة عن المطامع ، من دون أن يكون المرء الأمين مداناً عند الناس ، هي أداء طوعي للحقوق والواجبات ، وحفظ لكل ما استؤمن عليه الإنسان ، هذا من جانب الإنسان ، أما من جانب الواحد الديان : فهي سؤال ، وحساب ، وإدانة ، وجزاء لكل ما أوكل أمره للإنسان ، وقد أعطي الإمكانات والقدرات الكافية ليصح التكليف ، وأعطي الإرادة الحرة لتحقيقه .

روى الإمام البخاري في صحيحه ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راع ومسؤول عن رعيتـــه، والرجل راع في أهله ، ومسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعيةٌ ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم في مال سيده راع ومسؤول عن رعيته)) .

والآن ما الأمانة بمفهومها الخطير والمصيري ؟ .. إنها التكليف .. فالإنسان حينما قَبِلَ حمل الأمانة قبلِ أن تكون نفسُه التي بين جنبيه أمانةً عنده ليعرفها بربها ، فأصل الدين معرفته ، وليطهرها من أدرانها فالله يحب المتطهرين ، وليزكيها بالكمال الإنساني ، قال تعالى :

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)

كل هذا من أجل أن يكون إيمانها ، وعملها الصالح مؤهلاً لها لدخول الجنة التي أعدَّت لها ، ففيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

ولكن الله عز وجل حين كلف الإنسان حمل الأمانة منحه مقومات هذا التكليف ، فسخر له ما في السماوات وما في الأرض ، جميعاً منه ، تسخير تعريف وتكريم ليؤمن به ويشكره .

ومنحه بعد ذلك العقل قوةً إدراكيةً ، يتعرف به إلى الله من خلال الكون ، قال تعالى :

وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(7)

وأودع فيه الشهوات ليرقى بها صابراً أو شاكراً إلى رب الأرض والسماوات .

ومنحه الإرادة الحرة ، ليصح التكليف والابتلاء ، وليكون النجاح فيهما ثمن العطاء .

وحرصاً على قيامه بواجب التكليف ، بعث الأنبياء والرسل وأنزل معهم الكتاب بالحق .

وإذا حملت الأمانة ، كما ينبغي ـ وهذه مقوماتها ـ تحقق الهدف من خلق الإنسان ، وهو العبادة ، التي هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، تسبقها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .. قال تعالى :

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)

عندئذٍ كان النجاح والفلاح .. قال تعالى :

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)

وبعد أن يكون المرء أميناً على نفسه ، من أن تضل ، أو تزل يمكن أن يكون أميناً مع الخلق، وأمانة الخلق لها مستويات عديدة ودوائر متعاظمة ، أعلاها مستوىً وأوسعها شمولاً :

•​• أمانة التبليغ :

وهي الأمانة العظمى التي حُمّلت للأنبياء والمرسلين ، الذين هم أمناء وحي السماء ، وقد رعوها حق رعايتها وأدوها على الوجه المطلوب ، فظهرت في عصورهم بطولات فذّة ، ومجتمعات فاضلة مكنت قوى الخير من أن تنتصر على قوى الشر .

•​• أمانة التبيين :

ثم أوكلت هذه الأمانة إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، وأمناء الرسل ، وقد أدى الأصحاب الكرام ، والتابعون الأعلام ، والعلماء العاملون المخلصون من بعدهم هذه الأمانة ، وحفظوا ميراث النبوة ، وتحمَّلوا مسؤولية الأداء ، وما تنصلوا ، وما تعللوا ، وما اعتذروا ، وما ألقوا ذلك على عاتق غيرهم ، فكانت مجتمعاتهم بشكل أو بآخر امتداداً لعصور الازدهار والتألق .

ولقد أخذ الله العهد على العلماء أن يُبيِّنوا الحق للناس ، ولا يكتموه ، وهذه أمانة العلم ، ولن يستطيع العلماء أداء أمانتهم تلك إلا إذا كانوا علماء عاملين مخلصين ..

ولكن واقع المجتمع الإسلامي اليوم يختلف اختلافاً بيِّناً عن واقع المجتمع الإسلامي في عهود الازدهار والتألق ، فكثير من الناس اليوم لا يتخلقون بأخلاق الإيمان ، ولا يلتزمون بسنة النبي العدنان ، ولا يقفون عند حدود الله ، بل يتجاوزونها ؛ وبيوت المسلمين ليست على ما ينبغي لها ، والعلاقات الاجتماعية والمالية ليست منضبطة وفق الشرع الحنيف ، لقد قصر مفهوم الدين على أداء العبادات الشعائرية من صوم ، وصلاة ، وحج ، وزكاة .. ونسي الناس أن ترك درهم من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ، ولأن يمشي الرجل في حاجة أخيه المؤمن ، خير له من صيام شهر واعتكافه ..

والأمة الإسلامية بأجيالها الحاضرة والقادمة .. من المسؤول عن اهتزاز القيم الدينية فيها ؟ .. ومن المسؤول عن تفلت الناس من قواعد الدين القويم ، وأحكام الشرع الغراء ؟ .. إنهم العلماء ، والمربون ، والقادة الموجهون ، إنهم مسؤولون أمام الله عز وجل ، لأنه حمَّلهم أمانة الأداء ، وأخذ عليهم العهد أن يبيِّنوا الحق للناس ولا يكتموه ، إنهم لن يستطيعوا أداء أمانتهم إلا إذا كانوا علماء عاملين مخلصين ، ويجب أن يكونوا قدوة بأخلاقهم ، قبل أن يكونوا موجهين بألسنتهم .. قال تعالى :

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)

•​• أمانة الواجب :

من معاني الأمانة أن يحرص المرء على أداء واجبه كاملاً من خلال العمل الذي أنيط به ، وأن يستنفد جهده في إبلاغه تمام الإحسان انطلاقاً من الإيمان والشعور ، بأن الله سيسأل عن العمل الذي وُكل إليه ، هل أداه كاملاً غير منقوص ؟ أم كان الخلل والتقصير .. وهل نصح أم غش ؟ وهل أتقن أم أهمل ؟ .. وهل أنصف أم ظلم ؟ .. وهل أحسن أم أساء ؟ .. وهل رحم أم قسا ؟ .. وهل حفظ أم ضيغ ؟ .. وهل أعطى أم منع ؟ ..

فالطالب أمانة في عنق المعلم ، فهل عني في تعليمه وتقويمه ، أم أهمل وقصر ؟ وهل كان مخلصاً للحقيقة ، أم مزوراً ، ومنتحلاً لها ؟ .. وهل أخلص في علمه أم خان ضميره المسلكي وضيع ما استودع ؟ ..

والمريض أمانة في عنق الطبيب ، فهل حرص على شفائه من دائه أم حرص على ابتزاز ماله ؟ ..

والموكِّل أمانة في عنق المحامي ، فهل صدقه ونصحه ؟ والخصمان المتنازعان أمانة في عنق القاضي فهل عدل أم ظلم ؟

والأبنية والمنشآت والجسور والطرقات أمانة في عنق المهندس الذي صممها والمهندس الذي نفذها ، والمهندس الذي تسلمها .. هل حفظ مال الأمة أم ضيعه ؟ ..

والصنعة والحرفة أمانة في عنق الصانع فهل أتقنها ، وهل حسَّنها وهل طوَّرها ، أم أهملها ؟ فكانت العيوب والنقائص ، وكان الخلل والكساد ، علماً بأن إتقان الصنعة جزء من الدين .. ((إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه)) .

والشجرة والنبتة ، أمانة في عنق الزارع .. هل أحسن العناية بها كي تؤتي أكلها كل حين، أم تركها نهبة للعطش والأمراض والأوبئة فانخفض الإنتاج وتضرر الناس ؟ ..

والمستهلك أمانة في عنق البائع فهل نصحه أم غشه ، في النوع أو الكم أو السعر ؟ ..

والمُراجع أمانة في عنق الموظف هل سهل له طلبه ، ويسر له أمره؟ أم وضع له العقبات والعراقيل ليأخذ منه ما ليس له بحق ..

ويدخل في أمانة الأموال : البيوع ، والديون ، والمواريث ، والودائع والرهون ، والعواري ، والوصايا ، والهبات ، وأنواع الولايات الكبرى والصغرى ، وغير ذلك .

ويدخل في أمانة الأعراض كفُّ النفس ، والسمع ، والبصر ، واللسان ، واليد ، والغيبة ، والقذف ..

ويدخل في أمانة الأجسام والأرواح كفُّ النفس ، واليد عن التعرض لها بسوء ، من قتل ، أو جرحٍ ، أو ضر ، أو أذى ..

ويدخل في الأمانة ، الأمانة العلمية ، وهي صحة النقل ، ونسبته إلى صاحبه ، من دون تحريف أو تزوير ، أو انتحال ، أو حذف ، أو زيادة أو تدليس ..

ومن الأمانة صيانة حقوق الابتكار ، والاختراع وعدم التقليد وعدم تقليد العلامات التجارية .

ومن الأمانة صيانة الحقوق الأدبية للإنتاج الأدبي والعلمي ، وعدم النقل ، والاقتباس ، وكذلك الطبع دون إذن صاحب المؤلف ..

يقول صلى الله عليه وسلم : ((إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه ، قَلَّت رعيته أم كثرت أحفظ ذلك أم ضيعه ؟ حتى يسأل الزوج عن زوجته ، والوالد عن ولده والسيد عن خادمه ، هل أقام فيهم أمر الله ؟)) .

بقيت بشارة لأولئك الذين حفظوا الأمانة ، أمانة الواجب ، ولم يضيعوها ، قال صلى الله عليه وسلم : ((الأمانة غنى)) .

فالأمانة في نص الحديث من أسباب التوفيق في الأعمال ، فالأمين العفيف المتقن الناصح الذي يؤدي واجبه كاملاً يكسب ثقة الناس ، وهذه الثقة أكبر رأسمال يملكه الإنسان ويتحرك به .. فالأمانة تغنيه عن السؤال ، وتغنيه عن الابتذال ، والأمانة تحقق التوازن النفسي ، حيث تغني عن استجداء المديح ، وهي تكسب المرء ثقة بطهر نفسه ، وهذه الثقة تجعله عزيزاً رافع الرأس ..

•​• أمانة المجالس :

ومن معاني الأمانة ، أن تحفظ حقوق المجالس ، التي تشارك فيها فلا تدع لسانك يفشي أسرارها ، ويسرد أخبارها ، فكم من حبال تقطعت ، ومصالح تعطلت لاستهانة الناس بأمانة المجالس ، وذكرهم ما يدور فيها من كلام منسوبٍ إلى قائله ، أو غير منسوب قال صلى الله عليه وسلم : ((إذا حدث الرجل رجلاً حديثاً ، ثم التفت فهو أمانة)) .

[رواه أبو داود ]

وحرمات المجالس تصان مادام الذي يجري فيها مضبوطاً بحدود الأدب ، وشرائع الدين، وإلا فليست لها حرمة .. قال صلى الله عليه وسلم : ((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس : مجلسُ سفكِ دمٍ حرام ، أو فرجٍ حرام ، أو اقتطاع مال بغير حق)) .

[رواه أبو داود ]

•​•   

والحمد لله رب العالمين